ابن المقفع
92
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
فأكثر النّاس من يحدّث بما سمع ولا يبالي ممّن سمع ، وذلك مفسدة للصّدق ومزراة « 1 » بالرأي فإن استطعت ألا تخبر بشيء ألا وأنت به مصدق وإلا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل . ولا تقل بما يقول السّفهاء : « أخبر بما سمعت » فإنّ الكذب أكثر ما أنت سامع وإنّ السفهاء أكثر من هو قائل . وإنّك إن صرت للأحاديث واعيا وحاملا كان ما تعي وتحمل عن العامّة أكثر ممّا يخترع المخترع بأضعاف . * المعاتبة مقطعة للودّ أنظر من صاحبت من الناس من ذي فضل عليك بسلطان ومنزلة ومن دون ذلك من الخلصاء « 2 » والأكفاء والأخوان فوطّن « 3 » نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو وتسخو نفسك عمّا اعتاص « 4 » عليك ممّا قبله ، غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد . فإنّ المعاتبة مقطعة للودّ وإنّ الاستزادة من الجشع « 5 » وإنّ الرضى بالعفو والمسامحة في الخلق مقرّب لك كلّ ما تتوق إليه نفسك مع بقاء العرض والمودّة والمروءة . * تجنّب السّفه اعلم أنّك ستبتلى من أقوام بسفه ، وأن سفه السّفيه سيطلع لك منه حقدا . . فإن عارضته أو كافأته بالسّفه فكأنّك قد رضيت ما أتى به فاجتنب أن تحتذي مثاله . فإن كان ذلك عندك مذموما فحقّق ذمّك إياه ، بترك معارضته فأما أن تذمّه وتمتثله فليس ذلك لك سدادا .
--> ( 1 ) مزارة : زراية ، احتقار . ( 2 ) الخلصاء : جمع خلص وهو الخدن والصديق الخالص . ( 3 ) وطّن نفسه على : حملها على . ( 4 ) اعتاص : استعصى وصعب . ( 5 ) الجشع : الأنانية .